
صعود مفاجئ ولافت لقضية حقوق الإنسان في مصر، بدأت تتردد بوضوح في العالم الغربي، وتشكلت ملامحها في عناوين الأخبار المتصدرة لصفحات الشرق الأوسط في الصحف الدولية منذ الشهر الماضي، والتي تزامنت مع التحول الجذري الذي يتوقع أن تشهده السياسة الخارجية الأمريكية مع رحيل إدارة الرئيس اليميني دونالد ترامب، وصعود إدارة ديموقراطية برئاسة جو بايدن.
وبالرغم من ربط كثير من المحللين لهذا التحول بإدارة بايدن، إلا أن الأمر يبدو أعمق من ذلك، إذ أن أول تلك الانتقادات جاءت على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه، الذي صرح سابقا بأنه تجمعه صداقة عميقة بـ”ديكتاتوره المفضل”، عبد الفتاح السيسي، لكنه عاد وشن هجوما ضاريا عليه، فيما يتعلق بالدعم العسكري الذي تتلقاه مصر من الولايات المتحدة.
انتقاد أمريكي
اتهم ترامب الجيش المصري باستخدام الأموال الأميركية في شراء أسلحة روسية، وهو ما دفعه إلى التلويح برفض مشروع قانون الميزانية الجديد لإنعاش الاقتصاد لمواجهة جائحة كورونا. وانتقد ترامب بند المساعدات الخارجية في الميزانية الجديدة البالغة 892 مليار دولار، وقال إنه يبدد أموال الأميركيين، وضرب ترامب مثالا على ذلك بالمساعدات الأميركية التي تذهب كل عام إلى مصر.
وكان الكونغرس الأميركي قد مرر في قانون ميزانية الإنفاق الحكومي للعام المقبل، المساعدات العسكرية المعتادة إلى مصر والتي تبلغ نحو 1.3 مليار دولار، و وهي مبلغ ثابت سنويا تتلقاه مصر من الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1978، لكن الكونغرس ربط الإفراج عن أكثر من 300 مليون دولار من الأموال المرصودة لمصر مع تحقيق تقدم في الإفراج عن سجناء سياسيين وحقوقيين ومن الأقليات الدينية.
ونص بند في القانون على تجميد 75 مليون دولار إلى حين أن يرفع وزير الخارجية الأميركي تقريرا لإطلاع المشرعين على التقدم الذي تحقق من قبل القاهرة في مجال الإفراج عن السجناء. كما ربط بند آخر الإفراج عن 225 مليون دولار من المنحة بتعزيز مبدأ سيادة القانون ودعم المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان، بما يشمل حماية الأقليات الدينية.
وقد اعتبر موقع مبادرة الحرية أن المشرعين وجهوا رسالة قوية إلى مصر مفادها أن استخدامها المنهجي للاحتجاز لإسكات النشطاء والصحفيين لا يخدم مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة.
موقف أوروبي
البرلمان الأوروبي بدوره صوّت في 19 ديسمبر الماضي على مشروع قرار يطالب المؤسسات الأوروبية بخطوات جادة لوقف انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وذلك بالتزامن مع تصاعد قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في مصر عام 2016.
ويتضمن نص القرار الذي صدر بأغلبية كبيرة، المطالبة بإطلاق سراح معتقلي الرأي، كما دعا إلى وقف القيود على عمل منظمات المجتمع المدني والعاملين فيها، إضافة إلى وضع آلية في نهاية يناير الجاري للرصد والإبلاغ عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.
وجرى التصويت بالبريد الإلكتروني لاعتبارات احترازية تتعلق بجائحة كورونا. وقال رئيس البرلمان الأوروبي ديفيد ساسولي “نريد الحقيقة من أجل جوليو ريجيني وتسليم قاتليه، ونريد الحرية لباتريك زكي”. وأضاف أن النواب الأوروبيين أكدوا لمصر اليوم أنه لا مساومة على الحقيقة والعدالة وحقوق الإنسان.
مشروع القرار صدر بموافقة 434 نائبا من أصل 685 نائبا أوروبيا، وتضمن بندين يطالبان السلطات المصرية بالتعاون في قضية جوليو ريجيني وتسليم المتهمين بقتله للقضاء الإيطالي.
الأمم المتحدة، قالت بعد يوم واحد من بيان البرلمان الأوروبي، إن أي قرار عقوبات محتمل من الاتحاد الأوروبي ضد مصر، يعد سياديا. وقال المتحدث باسم الأمين العام للمنظمة، ستيفان دوجاريك، إن قرارات الاتحاد الأوروبي سيادية، وليس لنا أن نتطرق إلى ما قد يقرره أو لا يقرره، وأكد أن ما سيفعله الاتحاد في هذا الصدد يعود إليه.
ريجيني.. كلمة السر
وبالنظر إلى تلك المواقف الرسمية الصادرة عن الجانب الأمريكي والأوروبي، فإن الأمر بدأ منذ مطلع ديسمبر الماضي، حين طالبت المفوضية الأوروبية السلطات المصرية بالتعاون مع القضاء الإيطالي في التحقيقات بشأن مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني.
وريجيني باحث إيطالي كان يعدّ دراسة في مصر عن الحركات العمالية عندما اختفى بأحد أقسام الشرطة بالقاهرة يوم 25 يناير 2016، ليعثر على جثته بعد 9 أيام وعليها آثار تعذيب.
رئيس مجلس النواب الإيطالي روبرتو فيكو، شدد على ضرورة تفعيل حوار داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، لإحداث اختراق مهم في قضية حقوق الإنسان بمصر، بعدما أعلنت النيابة الإيطالية اشتباهها في 4 من الأمن المصري، بينهم ضابط يحمل رتبة بالمخابرات العامة، يدعى آسر كامل في قضية اختفاء الطالب ومقتله.
وقال فيكو إنه بعد كل ما ظهر من التحقيقات القضائية في جريمة قتل المواطن والباحث جوليو ريجيني، “يجب أن نكون بلدا أكثر غضبا”.وأكد شروعه شخصيا في التحرك على الصعيد الأوروبي لتسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، مضيفا أنه يتوجب على الاتحاد الأوروبي اتخاذ قرارات صارمة ضدها، قائلا إن هناك دولا أوروبية أخرى تنتظر اغتنام الفرصة لتجاوز ذلك.