
ظهيرة السادس من يوليو عام 1943، تجمعت ملايين الأسر المصرية حول أثير الراديو الذي يستعد لإعلان أسماء الطلاب الأوائل بالمرحلة التوجيهية “الثانوية العامة”، قبل أن يخبر المذيع أن الحاصل على المرتبة الأولى يدرس بالمدرسة الثانوية الداخلية بحلوان. يسود الاستغراب مسامع المنتظرين، فجميع من يدرس في تلك المدرسة كن من الفتيات، هل تُوجت فتاة بالمركز الأول؟ هل يمكن أن يحدث ذلك؟
لم يترك المذيع مستمعيه في حيرتهم طويلا، إذ سرعان ما أعلن اسم الطالب الأول على مستوى الجمهورية: نعمات أحمد فؤاد. ليطلق في اللحظة ذاتها صافرة رحلة مجيدة من التحديوالإبداع النسوي المهيب.
نعمات أحمد فؤاد.. كاتبة مصرية ولدت بمدينة مغاغة بمحافظة المنيا الجنوبية، وحفظت القرآن الكريم في طفولتها ثم انتقلت من مغاغة إلي ضاحية حلوان بالقاهرة لتلتحق بالمدرسة الثانوية الداخلية للبنات، وتخرجت في كلية الآداب جامعة القاهرة ونالت درجة الماجستير في أدب المازني، أما رسالة الدكتوراه فكانت عن “النيل في الأدب العربي”.
في منتصف الخمسينيات كان الزواج من رفيق رحلتها في الحياة الأستاذ محمد طاهر، الذي كان يمتلك مصنعاً للأدوية وداراً لنشر الكتب، وكان نعم الرفيق في مسيرة نعمات كما تصفه، وكان يحب بين الحين والآخر مفاجأتها بنفائس الكتب والنادر منها كدليل علي محبته لها.
اقترن اسم الدكتورة نعمات أحمد فؤاد بقضايا أثارت خلالها العديد من المعارك دفاعا عن مصر وحضارتها وشعبها، من أهمها قضية هضبة الأهرام وقضية دفن النفايات الذرية وقضية الدفاع عن قبة الحسين وقضية الدفاع عن الآثار الإسلامية وقضية أبو الهول وقضية الآثار المصرية التي استولت عليها إسرائيل أثناء احتلالها سيناء، وللدكتورة نعمات مؤلفات عدة عن إبراهيم عبد القادر المازني، وأم كلثوم والنيل، كذلك عن العقاد والشاعر أحمد رامي، كما قامت اليونسكو بترجمة كتابها “إلي ابنتي” للإنجليزية.
مؤلفات ثرية
كانت دكتورة نعمات أحمد فؤاد تسكب علي الورق من روحها، وتضيف له من خبراتها المدعومة بقراءات متعددة في كتب من سبقوها، ومن أوائل أعمالها كانت رسالتها لنيل الماجستير وكانت عن أدب المازني والتي تحولت فيما بعد لكتاب طبع وبيع في الأسواق. ويعد هذا الكتاب أول رسالة علمية في الجامعات المصرية تتناول شخصية من الأدب الحديث، حيث كان الجميع يركن إلىالبحث في الأدب العربي القديم أو الآداب الغربية والمقارنة.
من بين مؤلفات الدكتورة نعمات أيضا كتاب «رسائل إلي ابنتي» الذي بدأت فيه في نحو العام ١٩٥٥، قصة الكتاب كما ترويها بدأت منذ لحظة معرفتها بأنها باتت علي شفا خطوة من الأمومة، فبدأت في كتابة ما يطرأ علي بالها من عبارات تعبر عن مشاعرها تجاه جنينها.. وبعد فصول الأحاسيس، تتنقل بالحديث بين الفلاحة المصرية إلي المرأة العربية، ثم تأخذك لتحكي عن قيمة المال، وقيمة الصداقة، ومعني الدين والثقافة، وفن اختيار الزوج.
ومن روائع نعمات أحمد كتاب “الجمال والحرية والشخصية الإنسانية في أدب العقاد”، الذي تحدثت فيه عن شخصية هذا المبدع الذي تملأ الكتب طرقات وغرف منزله الذي يعيش فيه بمفرده بلا زوج تؤنس وحدته. وهو ما عبرت عنه بقولها: “وكأنه منذور للمعبد….فقد وهب نفسه للكتابة ووهبت نفسها له”.
ولنعمات أحمد فؤاد العديد من المؤلفات التي تقترب من الأربعين كتابا من بينها «أزمة الشباب»، «الأدب والحضارة»، «أم كلثوم وعصر من الفن» وهو الكتاب الذي تقول عنه: «عند انتهائي من كتابة هذا المؤلف الذي لم أكتبه كسيرة ذاتية فقط ولكن كتأريخ لعصر شامل، ذهبت إلي الست أم كلثوم كي أعرضه عليها قبل طبعه، فقرأته ونال إعجابها ولكنها تحفظت علي بعض نقاط وردت به أذكر منها ما كتبته عن مكانتها وقت أن كانت منيرة المهدية سلطانة الطرب، احتكمنا لشاعر الشباب أحمد رامي فجاء في صفي».
كتاب آخر لنعمات أحمد فؤاد هو «من عبقرية الإسلام»، الذي تقول في مقدمته: «كم قرأت لأكتب هذا الكتاب عن الإسلام، كم تأملت وكم تمليت، كم وعيت وكم استوحيت، وبعد هذا كله جاء مجرد لمحة من نوره ونفحة من هداه». وتقول في موضع آخر عن شخصية المجتمع في الإسلام: «إذا ضممنا آيات الشوري في القرآن إلي آيات المجادلة الحسنة، فإننا نلمح حض القرآن علي وجوب دور الرأي العام، وأن الرأي العام له رقابة نفسية بمعني أنه إذا صلح هذب الآحاد والجموع وإذا فسد وتقاعس فسد المجتمع، ووسيلة المجتمع إلي إيجاد مجتمع فاضل هو الحياء والاستتار، فالحياء قيد اجتماعي، والاستتار حصر للشر».
معارك ثقافية
شغلت نعمات فؤاد عدة مناصب مهمة من أهمها مدير عام المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، وأستاذ الدراسات العليا بجامعة حلوان لمادة فلسفة الحضارة، وأستاذ بالمعهد الدولي للاقتصاد والبنوك الإسلامية التابع للاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية. قامت بالتدريس بجامعات استانبول، نيويورك، جورج تاون بواشنطن، طرابلس بليبيا، الأزهر الشريف، وأكاديمية الفنون بالقاهرة.
وخاضت الكثير من المعارك الفكرية والقضائية لحماية التراث والآثار منها منع دفن النفايات الذرية للنمسا في مصر، منع المساس بماء النيل ومنح قطرة منه لإسرائيل، هدم قبة الحسن، سفر الآثار واستباحة الآثار بالنهب والإهداء، الدفاع عن الآثار الإسلامية، التعديات الداخلية على النيل، وأعدت قائمة بالآثار التي أخذتها إسرائيل من سيناء وقدمتها إلى اللجنة الدائمة للآثار بوزارة الخارجية المصرية قبل التفاوض على استرجاع الآثار، كما عملت عضوًا بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية (لجنة العلوم والحضارة) وعضو اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية، ورئيس الجمعية العلمية للمحافظة على التراث والآثار التاريخية.
وفي عصر الرئيس مبارك، خاضت نعمات أحمد فؤاد معارك ثقافية شرسة ضد وزير الثقافة آنذاك فاروق حسني، معترضة علي ما يقيمه من معارض للآثار المصرية خارج مصر، مؤكدة أن في سفر الآثار الكثير من الأخطار عليها، وأن علي من يريد رؤية آثارنا المجيء لها، وكتبت نعمات أحمد فؤاد الكثير ورغم أنها خسرت المعركة بأن أحدا لم يستجب إليها، إلا أنها كسبت احترام الجميع.
حياتها الخاصة
أما منزلها فكان قطعة منها، أرجاء رحبة تفتح ذراعيها لتحيتك، وأثاث عربي الملامح يلفت نظرك من اللحظة الأولي، وكتب ضاقت بها مكتبتها فتناثرت بين مائدة ومقعد، ومكتب صغير يناسب كاتبة أشاد بها العمالقة، تجاوره منضدة ليست كغيرها، فهي صممت لتحوي خريطة أثرية طبعتها الموسوعة البريطانية تعود لبدايات القرن الماضي، بها مقارنات لحضارات العالم القديم، وإلىجوار كل هذا كتب أثرية نادرة هي هدية زوجها لها.
وفي الأول من أكتوبر عام 2016 رحلت نعمات عن عالمنا في هدوء بعد فترة مرض خلت من الزحام إلا من أقرب المقربين لها، بعدما نقلت ممتلكاتها المطبوعة التي تجاوزت -كما تقول ابنتها حنان- الأربعين ألف كتاب، إلى مكتبة ضخمة علي الطراز العربي بقطعة أرض يمتلكها زوجها الأستاذ محمد طاهر بطريق الهرم، وقد سجلتها مؤسسة الأغاخان الثقافية كإحدى المكتبات النادرة التي أسسها فرد.
تقول نعمات أحمد فؤاد:«شيء كبير أن يكون للإنسان قلم ولكن شيئا نفيساً أن يكون للإنسان موقف، ومن نعم الله علي أن وهبني الكلمة والقرار، أعني القدرة علي الاختيار الصعب، فعرفت المواقف، وتحملت في سبيل مواقفي الكثير وعلوت علي الإغراءات والعروض والمناصب والبريق، فأعز منها جميعا تراب هذا البلد .. كل ذرة من هذا التراب».