من كانوا ضحايا رابعة؟.. قراءة في الملامح الإنسانية والاجتماعية
عندما تُذكر أحداث فض ميدان رابعة العدوية، غالبًا ما تتصدر أعداد الضحايا المشهد بوصفها المؤشر الأكثر حضورًا في توصيف الحدث. غير أن دراسة “ضحايا فض ميدان رابعة العدوية.. دراسة توثيقية“ تحاول الذهاب أبعد من الأرقام المجردة، عبر تفكيكها إلى دلالات إنسانية واجتماعية تكشف من كانوا هؤلاء الضحايا، وما الذي تعنيه خسارتهم على مستوى الأسر والمجتمع، بل والإنسانية جمعاء!
وتُظهر البيانات التي جمعتها الدراسة أن الضحايا كانوا في معظمهم من الرجال؛ إذ بلغ عدد الذكور 999 ضحية بنسبة 98.5% من الحالات التي توفرت بشأنها بيانات النوع، مقابل 15 أنثى فقط بنسبة 1.5%، وتقدم هذه النسبة مؤشرًا أوليًا على الفئات التي كانت الأكثر تعرضًا لخطر الموت خلال عملية الفض.
لكن الصورة تصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلى الأعمار.
الدراسة أن الشريحة الأكبر من ضحايا عملية الفض كانت من الشباب ومن هم في قلب سنوات العطاء والعمل وتكوين الأسر.
فقد سجلت الفئة العمرية من 18 إلى 30 عامًا عدد 221 ضحية بنسبة 35% من الحالات التي أمكن تحديد أعمارها، فيما بلغ عدد الضحايا في الفئة من 31 إلى 40 عامًا نحو 207 ضحايا بنسبة 32.8%.
وبذلك تمثل الفئة العمرية الممتدة من 18 إلى 40 عامًا نحو ثلثي الضحايا الذين توفرت بيانات أعمارهم، بنسبة تقارب 67%.
وهي نسبة تحمل دلالة اجتماعية مهمة؛ إذ تشير إلى أن الخسائر البشرية تركزت بصورة أساسية في الفئات الأكثر حيوية وإنتاجًا داخل المجتمع، وهي الفئات التي تتحمل عادة أدوارًا رئيسية في إعالة الأسر وبناء المستقبل الاقتصادي والاجتماعي لها وللوطن.
ولا تقف الدلالات الإنسانية عند حدود العمر، بل تمتد إلى الحالة الاجتماعية للضحايا. فمن بين 490 حالة توفرت بشأنها بيانات موثقة، كان 354 من الضحايا من فئة “متزوج” بنسبة 72.2%، مقابل 134 “أعزب” بنسبة 27.3%، إضافة إلى حالتين فقط من فئة “مطلَّق”.

وتكشف هذه الأرقام جانبًا آخر من كلفة الحدث؛ فمعظم الضحايا لم يكونوا أفرادًا يعيشون بمعزل عن محيطهم الاجتماعي، بل كانوا أرباب أسر وأزواجًا وآباءً وأبناءً ترتبط بهم شبكات واسعة من العلاقات والمسؤوليات.
لذلك لم تتوقف آثار الفقد عند الشخص الذي سقط في الميدان، وإنما امتدت إلى عائلات بأكملها وجدت نفسها أمام فراغ إنساني واجتماعي واقتصادي تركه غياب أحد أفرادها.
ومن هذا المنظور، ترى الدراسة أن قراءة حصيلة الضحايا بوصفها رقمًا نهائيًا لا تكفي لفهم حجم ما جرى.
فالأرقام تبيّن حجم الخسارة، لكنها لا تروي قصتها كاملة.
أما قراءة خصائص الضحايا وأعمارهم وأوضاعهم الاجتماعية بشكل أعمق، فيكشف أن وراء كل حالةٍ حياةً كانت تمضي في مسارها الطبيعي، وأسرةً كانت تبني أحلامها، ومستقبلًا انقطع بصورة مفاجئة.
ولهذا لا تكتسب هذه البيانات أهميتها من قيمتها الإحصائية فحسب، بل من قدرتها على إعادة البعد الإنساني إلى المشهد؛ فخلف كل رقم اسم، وخلف كل اسم أسرة، وخلف كل أسرة قصة ما تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.
