شخصيات

نجيب الكيلاني.. “الطريق الطويل بدأ في المعتقل”

حين تطلق لفظة “العمل الأدبي الأخير” في الوسط الأدبي فإنها تستدعي في نفوس السامعين رائعة الشاعر المصري الشاب، هاشم الرفاعي، المعنونة بـ “رسالة في ليلة التنفيذ”.. إذ تستحضر القصيدة روح شاعر يكتب كلماته الرثائية الأخيرة قبل أن يساق في الصباح إلى مقصلة الإعدام.

لكن ما الذي قد يثيره مصطلح “العمل الأدبي الأول” إذن؟

ربما لا يحفل الوسط الأدبي بأديب بدأ رحلته الإبداعية من السجن مثلما يحفل بالأديب والشاعر المصري نجيب الكيلاني،  إذ نُشر أول عمل نثري له بينما كان بالمعتقل سنة 1956م، وعنونها برواية “الطريق الطويل”، وهو عنوان يجسد بوضوح رحلته الشاقة التي دشنها بصعوبة في ظل غياهب الجدران العالية.

ورغم الترصد الذي عادة ما يصاحب هؤلاء الذين ينخرطون في العمل السياسي المعارض للدولة، فإن الجوائز الأدبية لم تعر كل ذلك بالا، فنالت روايته الأولى جائزة وزارة التربية والتعليم سنة 1957م ثم قُررت للتدريس على طلاب المرحلة الثانوية في الصف الثاني الثانوي عام 1959م.

وهكذا منذ اللحظة الأولى، حفظ الكيلاني لنفسه موقعا متميزا في الوسط الفني وجوائزه الرسمية، لينال عام 1960، جائزة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب عن رواية اليوم الموعود، ثم نال الجائزة نفسها عن رواية “في الظلام” في العام التالي 1961م.

بدايات نجيب الكيلاني:

ولد نجيب عبد اللطيف إبراهيم الكيلاني في أول يونيو/ حزيران عام 1931م الموافق المحرم من عام 1350 هـ في قرية شرشابة التابعة لمركز زفتى بمحافظة الغربية بدلتا مصر.

التحق بكُتَاب القرية في سن الرابعة، حيث تعلم القراءة والكتابة والحساب وقدراً من الأحاديث النبوية الشريفة وسيرة الرسول، وقصص الأنبياء وقصص القرآن، وكانت أسرته تعمل بالزراعة، وكان منذ صغره يمارس العمل مع أبناء الأسرة في الحقول.

التحق بالمدرسة الأولية ثم مدرسة الإرسالية الأمريكية الابتدائية بقرية سنباط ثم قضى الثانوية في مدينة طنطا وأخيرًا التحق بكلية الطب بالقاهرة عام 1951م، وبعد تخرجه عمل بوظيفة “طبيب امتياز” في “مستشفى أم المصريين” بالجيزة “شمال القاهرة” عام 1961م ثم طبيباً ممارساً بقريته ثم انتقل ليعمل في وزارة النقل والمواصلات، وتسلم عمله في القسم الطبي بهيئة السكك الحديدية، ثم سافر إلي دولة الكويت ليعمل طبيبًا هناك في اليوم الحادي والثلاثين من شهر مارس 1968م ثم انتقل منها إلي دولة الإمارات العربية وقضى بها ما يقرب من ستة عشر عاما.

تزوج الكيلاني عام 1960 من الأديبة الإسلامية “كريمة شاهين” شقيقة الأديبة الإذاعية المصرية “نفيسة شاهين” ورزق بثلاثة ذكور هم الدكتور جلال، والمهندس حسام، ومحمود المحامي، كما رزق بأنثى واحدة هي د. عزة.

واتصف ببشاشة الوجه وروح الدعابة والتواضع الجم، وهو الخطيب المفوه صاحب الفكر المتفتح، يقول عنه أحد أبنائه تشعر بأن خلقه القرآن، يرى الخالق في كل معاملاته، يتحامل على نفسه من أجل إسعاد أهله وذويه ولم تكن طموحاته كبيرة في الدنيا لأنه كان يحمل قوة إيمان عميقة وتواضعا جما. تحمل الكيلاني آلام مرضه دون أن يبث همه وألمه لأحد حتى أقرب الناس إليه، فقد صبر على آلام الكبد الوبائي سي ثم آلام السرطان مستمسكًا بحبل الله وأنى له أن ييأس أو يخنع وهو الراضي بقضاء الله وقدره.

تجربته السياسية

انضم الكيلاني لجماعة الإخوان المسلمين في وقت مبكر من حياته، حيث أثرت في أفكاره ومعتقداته، وكان لها أثر بالغ في تكوين فكره السياسي والأدبي.

اعتقله نظام الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر في 7 أغسطس/ آب 1955، فيما عرف بقضية “تمويل أسرى الإخوان المعتقلين”، وحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات، لكنه خرج بعفو صحي بعد أربعين شهرا، ثم أُعيد اعتقاله في سبتمبر/ أيلول 1965، وقضى عاما وبضعة أشهر في السجن.

رحلته الأدبية

ظهرت بوادر موهبة الكيلاني الشعرية في أواخر دراسته الابتدائية، وكانت أولى قصائده عن فلسطين عام 1948، وأصدر ديوانه الأول “أغاني الغرباء”، وروايته الأولى (الطريق الطويل) وهو في السجن.

كتب عشرات الروايات والقصص، منها قضايا إسلامية مثل: “ليالي تركستان”، و”عمالقة الشمال”، و”عذراء جاكرتا”، و”الظل الأسود”، و”عمر يظهر في القدس”، و”أرض الأنبياء”، و”نور الله”، و”قاتل حمزة”، و”نابليون في الأزهر”، و”النداء الخالد”، و”رحلة إلى الله”، و”مواكب الأحرار”، و”اليوم الموعود”، و”حارة اليهود”، و”دم لفطير صهيون”، و”حبيبتي سراييفو”.

كما كتب عن البيئة المصرية “اعترافات عبد المتجلي”، و”قضية أبو الفتوح الشرقاوي”، و”ملكة العنب”، و”مملكة البلعوطي”، و”أهل الحميدية”، و”الرجل الذي آمن”. ومن رواياته التاريخية “على أسوار دمشق”.

وله من الشعر عدة دواوين منها “أغاني الغرباء”، و”عصر الشهداء”، و”كيف ألقاك”، و”نحو العلا”.

وفي النقد والأدب الإسلامي كتب “الإسلامية والمذاهب الأدبية”، و”آفاق الأدب الإسلامي”، و”مدخل في الأدب الإسلامي”، و”نظرية الأدب الإسلامي وتصوراته”، و”المسرح الإسلامي”.

وفي الثقافة الإسلامية أصدر “الطريق إلى اتحاد إسلامي”، و”الإسلام والقوى المضادة”، و”نحن والإسلام”، و”تحت راية الإسلام”، و”حول الدين والدولة”.

وفي الطب حرر “في رحاب الطب النبوي”، و”الدواء سلاح ذو حدين”، و”الصوم والصحة”، و”الغذاء والصحة”.

وله نحو عشر مجموعات قصصية منها “موعدنا غداً”، و”العالم الضيق”، و”عند الرحيل”، و”دموع الأمير”، و”فارس هوازن”، و”حكايات طبيب”. وفي التراجم كتب “إقبال الشاعر الثائر”، وكتب سيرته الذاتية في “لمحات من حياتي”.

الاحتفاء والتكريم

حصل الكيلاني على جوائز عدة منها أربع جوائز من وزارة التربية والتعليم، وجائزة من المجلس الأعلى للفنون والآداب، وجائزة من مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وميدالية الشاعر محمد إقبال الذهبية من باكستان.

توفي الأديب الكبير نجيب الكيلاني يوم الاثنين 4 شوال 1415هـ، الموافق 6 مارس/ آذار عام 1995، ودفن بالقاهرة.

عن الكاتب

محرر وعي

كاتب في وعي للبحث والتنمية.

المزيد من الكاتب