
ربما لم يشهد تاريخ مصر الحديثة حدثًا كان له كل هذا الأثر السياسي والثقافي والاجتماعي مثل مذبحة فض الجيش المصري للاعتصامين السلميين في ميداني رابعة العدوية والنهضة في الرابع عشر من أغسطس عام 2013، متجاوزًا بذلك مذبحة القلعة (1 مارس لعام 1811) تلك التي كانت تعتبر أضخم عملية اغتيال سياسي في التاريخ المصري الحديث.
البداية كانت يوم 28 يونيو 2013، حين دعت قوى سياسية وحزبية المصريين للاحتشاد في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة رفضًا لما تردد عن نوايا الجيش للانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب ديموقراطيًا، محمد مرسي.. وقد لبى آلاف المصريين الدعوة واحتشدوا بالميدان رافعين لافتات الدعم للرئيس المصري.
وعلى الجانب الآخر، كانت خطة المجلس العسكري تسير دون تغيير، فبعد أشهر من تهيئة الرأي العام إعلاميا وسياسيا عبر ما عُرف بحملة تمرد، التي ظهر فيما بعد تمويلها من قِبل دولة الإمارات العربية المتحدة، جاءت تظاهرات ميدان التحرير في الـ 30 من يونيو، كصافرة انطلاق للحشد الجماهيري الداعم للانقلاب العسكري.
ضمت تظاهرات الـ 30 من يونيو معارضي الرئيس مرسي، وأتباع النظام السابق، وكتل التيارات العلمانية المناوئة أيديولوجيًا للرئيس المنتخب ذي الخلفية الإسلامية، وحشود من الكنيسة وموظفي الدولة وممثلي الوسط الفني، وعدد من العسكريين والشرطيين في زيهم الرسمي.. يدعمهم حضور إعلامي واسع وتغطية تضخيمية مدروسة.
بيان الانقلاب
بدا المشهد السياسي المصري متأزمًا للغاية، مع انسداد كامل لأفق الحل والحوار، بعد ارتماء الرموز الدينية الرسمية (الأزهر- الكنيسة) والعلمانية (حزب الدستور، محمد البرادعي – حركة السادس من أبريل) في كفة المجلس العسكري، وتأييد دعوات التظاهر لإسقاط الرئيس، واستدعاء الجيش لحكم البلاد.
توجت تلك التحركات ببيان الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو 2013، والذي احتشدت فيه القوة العسكرية والدينية الرسمية مع عدد من رموز العمل السياسي العلماني والأمني، ليخرج المشهد الأخير بتعطيل العمل بالدستور، وتولية المجلس العسكري قيادة البلاد، مع تنصيب هيكل “قضائي-سياسي” (عدلي منصور- محمد البرادعي) لتهيئة الأجواء لتسلم قائد الجيش، الجنرال عبد الفتاح السيسي، قيادة البلاد.
جاء بيان الانقلاب العسكري كشرارة انطلاق جديد للثورة المصرية، وتحول ميدان رابعة العدوية إلى رمز الثورة المناهضة للانقلاب، رغم امتداد التظاهرات خارجه على نطاق واسع، واحتشاد اعتصامات أخرى بميادين كبرى كان أبرزها اعتصام ميدان النهضة بالجيزة، الذي شكّل مع ميدان رابعة أكبر وجهتين للمتظاهرين.
أيقونة الثورة
فرض الجيش الحصار الكامل حول ميداني الاعتصام، ومنع التناول الإعلامي والتصوير حول المنطقة، وحاول فض الاعتصام عدة مرات سقط خلالها مئات المعتصمين، في مذابح نادي الحرس وبين السرايات ونصر الدين وماسبيرو الثانية والمنصة، وغيرها.
كاد الحصار المحكم ومحاولات الفض المتكرر تؤتي أكلها؛ لولا صمود المعتصمين، ودخول فضائية الجزيرة على خط الصراع بفتح البث المباشر للمنطقة على مدار اليوم، الأمر الذي شكّل نقطة صمود وتحول كبرى في مسار الأحداث، وكان وقف ذلك البث أول خطوة عمد إليها الجيش قبل فض الاعتصام كليًا.
قضى المعتصمون ليالي اعتصامهم في الصيام والقيام والهتاف، إذ قضوا خلاله شهر رمضان كاملا، وكان الميدان بمثابة نقطة انطلاق للتظاهرات الرافضة للانقلاب بالقاهرة، ومركز استقبال المعتصمين القادمين من المحافظات، وبعد ليلتين من عيد الفطر المبارك، استقبلتهم قوات من الجيش والشرطة بعيدية مذبحة الفض المفجعة.
شركاء المذبحة
وخلال شهر الصيام والاعتصام، قاد الإعلام المصري حملة شيطنة للمعتصمين وتحريض على قتلهم، أطلقوا خلالها عشرات الشائعات التي تمس الشرف والوطنية والانتماء، كنعتهم بـ “المرتزقة” و”مجاهدي النكاح”، مطالبين السلطة السياسية بتخليص مصر والمصريين منهم.
بموازاة ذلك، قادت الكتل السياسية المؤيدة للانقلاب العسكري حملة تشنيع عنيفة، إذ أجرى محمد البرادعي (الذي تولى منصب نائب الرئيس الأول للانقلاب عدلي منصور) حوارات متعددة مع سياسيين وإعلاميين غربيين لتبرير المذابح، كان أبرزها لقاؤه مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وحواره مع صحيفة التايم الأميركية، التي قال فيها إنه عمل بجد لإقناع القوى الغربية بما وصفه “ضرورة الإطاحة بالقوة للرئيس محمد مرسي”، ودافع عن الاعتقالات المتزايدة لحلفاء جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وإغلاق شبكات التلفزيون الإسلامية التي أعقبت خلع السيد مرسي يوم الأربعاء من قبل جنرالات مصر.
كما انصبت حركة السادس من أبريل (أكبر حركات الطيف العلماني المصري) بوصم المعتصمين بالإرهاب والتطرف، ونشرت بيانا قبيل الفض بأيام تصف فيه الاعتصام بـ(تحالف اليمين المتطرف)، كما صرحت أمل شرف، المسؤولة الإعلامية للحركة، في حوار مع صحيفة الإندبندنت البريطانية بأن الحركة ترى الاعتصام مسلحا، وتطالب الدولة بضرورة فضه بالقوة.
بداية الفض
في الساعات الأولى لصباح يوم 14 من أغسطس 2013، ودون مقدمات، انطلق رصاص القناصة بغزارة فوق رؤوس آلاف المعتصمين، فيما كانت المدرعات العسكرية تتحرك ببطء نحو منتصف ميدان رابعة، بالتزامن مع التحركات نفسها في ميدان النهضة، بغطاء من البلطجية المحاصرين للميدان، والمتكفلين بالتنكيل بمن يتمكن من النجاة من المذبحة والهروب خارج الميدان.
وفي غضون ساعات، شهدت مصر أسوأ أيامها منذ حكم محمد علي، واختلطت دماء المعتصمين بحطام الخيام وسواد احتراقها، وأضحى ميدان رابعة، ونسخته الجيزاوية “النهضة”، مقبرة جماعية تضم جثامين مئات المصريين، فضلا عن مئات المفقودين والمعتقلين والمختفين قسريًا.
نتائج المذبحة
وبفض الميدانين، كشف الحكم العسكري صراحة عن أنيابه، وأعلن تخليه عن شركاء الأمس، والاستغناء عن خدماتهم، لتبدأ عمليات القفز من مركب المسؤولية السياسية والجنائية لشركاء الانقلاب العسكري، كان أبرزها استقالة البرادعي في صباحية اليوم التالي للمذبحة، من منصب نيابة رئيس الانقلاب عدلي منصور، وهروبه إلى النمسا، واستقراره هناك.
كما أعلن شيخ الأزهر أنه مؤسسته لم تكن على علم بموعد الفض، وأن الأزهر “لا يوافق من حيث المبدأ على إراقة الدماء، ويدعو كافة الأطراف لضبط النفس”، وهي لغة تعد انسحابية أكثر من كونها تحمل إدانة واضحة للمذبحة، بينما أيدت الكنيسة المصرية الفض ووصفته باليوم التاريخي في حياة المصريين.
وعلى الصعيد العالمي، جاء الرد الدولي ضعيفا للغاية إلا من المواقف الشخصية المنددة بالمذبحة، فيما بدا وكأنه تجاهل متعمد للواقعة، ورضاء عن تحركات الجيش بالقوة لإزاحة النظام المصري الجديد الذي أفرزته أول انتخابات ديمقراطية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011.
وفي الميادين، استمرت التظاهرات المناوئة للانقلاب، وخرجت عشرات التظاهرات في القاهرة والمحافظات، وحاول المعتصمون تدشين اعتصامات مفتوحة في ميادين أخرى، انتهت جميعها بمذابح أخرى، كان أبرزها اعتصامي ميدان مصطفى محمود، وميدان العباسية بالقاهرة.
وتَعتبر مؤسسة وعي للبحث والتنمية أن حدثًا كاعتصام رابعة العدوية باعتباره أيقونة بارزة من أيقونات الثورة المصرية والربيع العربي ومنعطفًا فارقًا في مسيرتها – جدير بأن يحظى باهتمام الباحثين من كافة التخصصات لتوثيقه والوقوف على ماهيته، والقائمين على تنظيمه وإدارة لجانه، والفئات المشاركة فيه، وبرمجة أيامه وساعاته، وأهم معالمه، وجوانبه الإنسانية والحضارية، وفاعلياته الثقافية والثورية، والوفود التي زارته، وردود الفعل الداخلية والخارجية حوله، وأهم نتائجه.
كما ترى المؤسسة أن التوثيق العلمي لهذا الاعتصام وأمثاله مما شهدته ساحات التعبير في بلدان الربيع العربي هو إسهام مهم وحاجة ضرورية لحفظ تراث الأمة وصون تجاربها وتاريخها من الضياع أو النسيان أو التزوير.